السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
77
مصادر نهج البلاغة وأسانيده
والباطل ، وكذلك السقم والصحة ، وكذلك الخطأ والصواب ، فعليّ كان ملجما بالورع عن جميع القول الا ما هو للَّه عز وجل نصا ، وممنوع اليدين من كل بطش الا ما هو للَّه رضا ، ولا يرى الرضا إلَّا فيما يرضاه اللَّه ويحبه ، ولا يرى الرضا إلا فيما دل عليه الكتاب والسنة دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والمكر والمكايد والآراء ، فلما أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد ، وكثرة غرايبه في الخداع وما اتفق له وتهيأ على يده ولم يروا ذلك من علي عليه السلام ظنوا بقصر عقولهم وقلة علومهم ان ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند علي عليه السلام ، فانظر بعد هذا كلَّه هل يعدّ له من الخدع إلَّا رفع المصاحف ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأي علي وخالف امره ، فان زعمت إنما أردت من الاختلاف فقد صدقت وليس في هذا اختلافنا ، ولا عن غزارة أصحاب علي عليه السلام وعجلتهم وتسرعهم وتنازعهم دفعنا ، وإنما كان قولنا بالتمييز بينهما في الدهاء والنكراء وصحة العقل والرأي على أنه لا نصف الصالحين بالدهاء والنكراء ، ولا نقول ما كان انكر أبا بكر بن أبي قحافة وما كان انكر عمر بن الخطاب ولا يقول أحد عنده شيء من الخير كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أدهى العرب والعجم وانكر قريش ، وامكر كنانة لأن هذه الكلمة إنما وضعت في مدح أصحاب الإرب ( 1 ) ومن يتعمق في الرأي في توكيد امر الدنيا وزبرجها ، وتسديد أركانها ، فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر وإنما يصلحون على تدبير خالق البشر ، فإنما هؤلاء لا يمدحون بالدهاء والنكراء ، ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه ، الا ترى ان المغيرة بن شعبة وكان أحد الدهاة حين رد على عمرو بن العاص قوله في عمر بن الخطاب ، - وعمرو بن العاص أحد الدهاة أيضا - :
--> ( 1 ) الإرب : الدهاء ، والاربي - بضم الهمزة - الداهية .